في افلام هوليود والسينما الهندية, التي تصور وتحكي حكاية المدن التي اطاحت بها الاستبداد والعسكرة والحروب او طغاة الاستبداد,اول مشاهد في عرض حكايتها الحزينة,هو مشهد الكلاب السائبة وهي تجوب الشوراع والباحات, تتمعن تلال النفايات تقف,تقف فوقها تنظر بعيداً في امتداد افق الطرقات,تشم النفايات تبعثرها بساقيها الى الخلف,تأكل ماتبقى بالعظام المرمية فيها.غالبا ما تلتفت الى ناس المدينة وهم يمرون بجوارها,لانها اعتادت عليهم,هم ايضا اعتادوا عليها,حيث الطرقات والمدينة هكذا وهم من يكدسون تلال النفايات امام البيوت والمدارس والمستشفيات وكل الطرقات,وروائحها الكريهة لاتعنيهم,كثيرا تشبعوا بها طوال حياة القهر والذل والحرمان والعسكرة والحروب وسجون الطاغية الجحيمية.لم يعرفوا غيرها طوال رحلة حياتهم البائسة,ومن قبلهم ابائهم مروا بها,وام الخوش احدى ابطال عبد الرحمن منيف في رواية "مدن الملح".وعند غروب الشمس تمشي الكلاب السائبة هويناً متثاقلة في دورب الحارات,وفي جوف الليل تمزق سكون هجوع المدينة,وهي عالياً تعوي وتنبح لتحاكي بعضها على امتداد الحارة او لتوقظ الناس كي لاتراودهم لحظة حلم جميلة او مضاجعة عشيقة شبقة.اقتبس هذه المشاهد وحكايتها من مدن العراق الخربة,حيث عشتها من ايام الطفولة والصبا, والان هي ذاتها بكل تراكم بشاعتها.منها الديوانة والبصرة وكربلاء واقليم كردستان.ومنها كمثال يمكن الان ان يسأل عن كل هذا اي كان اهالي المناطق الشعبية وهي تقريبا نحو 90 بالمائة في كل مدن العراق,الفقيرة والمتوسطة حتى العليا منها, منها في كربلاء بما فيها الاحياء الممتدة من مستشفى الكفيل الى نهاية اطراف المدينة من الجنوب.حتى ان احد هذه الكلاب السائبة قبل فترة مات على مسافة قريبة من هذا المستشفى,ورغم فخامته ظلت جثة الكلب مطروحة متعفنة ورائحتها تمر على المستشفى وروادها,مرورا بحسينية وجامع,حتى ذاب لحمها وبقيت عظامها حتى الان في مكانها على رصيف احد شوارع المدينة الاكثر اهمية وحداثة ومن التي تستولي عليها المواكب خلال المناسبات الدينية (شارع الحولي تجاه الجنوب).وعلى طوله متاجر كبرى ومستشفى الكفيل وبجواره ملاصقة مستشفى تقريبا اضخم منه على مشارف الافتتاح وكليهن قطاع خاص.وغالبا ماتنطرح مجموعة من الكلاب السائبة وسط الجزرة الوسطية الصغيرة عند باب مستشفى الكفيل محاذات رصيف هذا الشارع .ومثلها نصا وبعضها اكثر كثيرا في الديوانية من المستشفى التعليمي وحيثما اتجهت في المدينة,ومثلهن والبصرة وكردستان وكل مابينهن.وقبل اربعة ايام قتلت احدى هذه الكلاب السائبة طفل في احدى مدن الفرات الاوسط بالقرب من بيت اهله وهو عائد من المدرسة.وبعد تراكم خوف الناس وكثرة شكواها, في الغالب من خلال الادعية والبصارات بعد ان يأسوا من السلطات,احدثت ضجة قتل الطفل, تداولت الامر سلطة المدينة,كثيرا وصعب الامر عليهم ومن ثم توصلوا الى حلاً وهو ان يخصون ذكور هذه الكلاب السائبة في المدينة ليتوقف نسلها,حسبما قالوا في وسائل الاعلام.اي الحل لايشمل هذه الاجيال بل الذين سيولدون بعد عشرين عام ,مع احتمالية قدوم كلاب غير مخصية من المدن الاخرى وتفشل الخطة وتستمر الحكاية لاربعين او سبعين عام اخرى,مع صاحبتها ازمة الكهرباء.حيث يقول مونتسكو:"وقد يكون للامة الحرة منقذ,ولايكون للامة المعبدة غير باغ اخر.وذلك لان كل رجل يكون من القوة مايطرد به سيد الدولة يكون من القوة مايغدو سيدها بنفسه...دخل الدولة ...ويجب لتعيين هذا الدخل ان ينظر الى ضروريات الدولة والى الاهلين,ولايجوز ان يؤخذ من احتياجات الشعب الحقيقية مطلقاً في سبيل احتياجات الدولة الوهمية.والاحتياجات الوهمية هي التي تقتضيها شهوات الحاكمين وضعفهم وفنون مشروع عجيب ورغبة واهية في مجد باطل,وقدر نفسي تجاه الاهواء,ومما كان يقع غالبا ان يظن من يعملون على رأس الامور تحت امرة الامير بروح هلوع ان احتياجات الدولة هي احتياجات نفوسهم الصغيرة...لايكون السيد في الدول الاسلامية ولياً لحياة الإماء واموالهن فقط,بل يكون مصاحبا لما يسمى عصمتهن وشرفهن ايضا,وان من مصائب هذه البلدان ان يكون اكبر قسم في الامة قد خلق ليكون خادماً لشهوة الاخر...ان الذهن البشري هو طبيعة مقلدة كثيرا,وليس من الممكن لاية مجموعة من الناس ان تخاطب فيما بينها,دون ان تكتسب تشابها في السلوك وتقبل فيما بينها رذائلها..."-"مونتسكو"-ك-روح الشرائع-الجزء الاول-ص-543-417 وديفيد هيوم -ك-ابحاث اخلاقية سياسية وادبية-ص-259.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق