لمحة عن رواية دوستويفسكي المعنونة"مذكرات قبو"
اليوم انتهيت من قراءة رواية فيودور دوستويفسكي المعنونة"مذكرات قبو"وهي 201 صفحة من القطع الوسط.وهي تحكي حكاية انسان بسيط ولكنه مثقف ومن الطبقة المسحوقة عمل في عدة اعمال ومنها موظف بالقنصلية,يعيش في حقبة القرن التاسع عشر في ورسيا القيصرية التي مازالت متلاقحة بكثيرا من الترابط مع حقبة القرون الوسطى ومحاكم التفتيش الوحشية,التي لاح تداعيها في اوربا الغربية وامريكا,منهج نظام وثقافة عامة,ثقافة الحرامية الكبار والانتهازية والوصولية,وسطوة تراتبية اذلال الاعلى للادنى من اعلى الهرم الى ادناه في السلطة والمؤسسات العامة والخاصة والدائرة والمدرسة والمقهى والحانة والشارع والعلاقات والتعاملات الانسانية.حتى بين زملاء الدراسة وعلاقات الصداقة ,وكيف يدوس اصحاب السلطة على الناس باحذيتهم على الناس وكرامتهم الانسانية,ومثل الجرذ و الصرصر يرمونهم بعيدا عن طريقهم, حيث هو يقول كنت في ممر الحانة وقفت منحنيا ومر ضابط طويل ضخما وكأني جرذ رماني بعيدا عن دربه ومشى دون حتى ان يلتفت ليرى وجهي وبقيت حاقدا عليه واستلفت مبلغا من مدري في القنصلية واشتريت معطف جديد من المعاطف الجيدة كي يشعر اني من الطبقات الميسورة وفي لحظة في الطريق اغمضت عيني وهو قبالتي قادم يمشي في المدينة وصدمته بكتفي بكتفه ولكني انا الذي وقعت على الرصيف وهو مر ولم يشعر بي وحتى لم لم ينظر لي.وقت راحت رياح عصر الانوار تفردش ثيابهم وتظهر مؤخراتهم عارية وتلفح اردافها.وكل هذا ينعكس على روح الانسان بكل انسحاقها.يبوح بها بطل الرواية من مسكنه, القبو البائس,حيث يقرر ان يكتب مذكراته التي يقول فيها كل الواقع عاريا من القاع الى القيصر والاميرة,وعن ذاته وكل نوازعها.وبيوت الدعارة وليزا الفتاة التي احبته.وكل عوالم روحه,عوالم الانسان المسحوق الداخلية وهو لايجد له موقعاً وسط المجتمع ويبوح عن غضبه وحقده ومخاوفه على الطبيعة البشرية.حكاية مأساة الانسان المهان وحقده على الواقع ورغبته في مستقبل افضل وهو يعرف استحالة تحقيق ذلك.وفي كلها كأنه يصف عالم الشرق الاوسط الرهيب الان, وانقلاقه وتحجره في القرون الوسطى بكل انحطاطها,ومنها العراق كمثال.حيث يقول:"يمكن ان يكون صريحا بشكل تام,ولايخشى من مواجهة الحقيقة؟وبهذه المناسبة,اود الفت انتباهكم الى ان كل سيرة ذاتية تتوخى ان تكون وفية لصاحبها,هي بحسب ما اكد عليه الشاعر الالماني هاينه .Heine, شيء مستحيل تقريباً,واننا نملك كل الحظوظ لكي نكذب على انفسنا ونفتري عنها بعض الاقاصيص والحكايات افتراء...إلا ان هاينه تحدث عن ذلك الانسان,الذي يقوم بتقديم اعترافاته للناس بشكل علني.في حين انا لااكتب إلا لنفسي,واصرح مرة واحدة والى الابد بأني حتى وان كنت اكتب,مثل من يخاطب قراء حقيقيين,فما ذلك مني سوى في تسهيل الاسلوب وحسب...بالطبع,كنت اكره جميع زملائي في المكتب,من اولهم الى اخرهم وكنت انظر اليهم من فوق باحتقار,لكن يبدو لي اني كنت في الان نفسه,اخشاهم.حدث لي احياناً ان احللتهم المكانة العالية...لايمكن للانسان المتحضر والنزيه ان يكون مغروراً بنفسه ما لم يشدد معها بشكل كبير ومالم يكن قادرا في لحظات اخرى على احتقارها الى درجة المقت الشديد...كيف بمقدوري ان اقاوم؟كنت متحضراً بكيفية مرضية,مثلما ينبغي للانسان الذي ينتمي الى زماننا ان يكون.وكان افق زملائي محدوداً وبذلك ظلوا يشبهون بعضهم بعضاً,وكأنهم قطيع اغنام.ولربما كنت الوحيد في القنصلية الذي يحسب دائماً على انه جبان وعبد تحضري بالضبط.على اني لست اعد نفسي مثل الجبان والعبد خطأً وانما في الحقيقة كذلك.اني لاقر بذلك دون ادنى حرج.كل انسان شريف ونزيه في ايامنا هذه ينبغي ان يكون كذلك هو جبان وعبد.تلك حالة الطبيعة العادية في هذه الايام.انا مقتنع بعمق بهذه الامر...لقد كانت مدرستنا تبلد تعبير الوجوه وتخسف بريقها...فما اكثر الاطفال الصبوحين الذين التحقوا بتلك المدرسة,لكن لاتمضي عليهم إلا سنوات قليلة,حتى تصبح وجوههم منفرة ومقززة.لم يكن عمري حينها يتجاوز السادسة عشرة,ومع ذلك كنت انظر اليهم بدهشة مفعمة بالكاَبة,فقد كانت سخافة افكارهم,واهتماماتهم الحمقى,وضحالة لعبهم وحديثهم,تثير دهشتي وحفيظتي منذ ذلك الوقت.ثمة امور شديدة الاهمية لابد ان يدركونها,وموضوعات شديدة الالحاحية والتأثير لايكترثون لها,...واناشدكم الله كي تجتنبوا مثل هذه الافكار,وهي الافكار القائلة "اني لم اكن املك سوى الحلم,بينما كانوا هؤلاء يعرفون حقيقة الحياة".كلا انهم لايعرفون شيئاً يذكر لا عن حقيقة الحياة ولا عن اي شيئ,واقسم لكم اغلظ الايمان,بأن هذا هو ما بات يغيظني فيهم بالضبط,الضبط الكبير,بل كانوا على العكس تماما,يتلقون الواقع الاشد بداهة,الواقع الاكثر وضوحا للعيان بكيفية من اغبى الكيفيات الواهمة,وقد تعودوا منذ تلك المرحلة من حياتهم,على ان لاينحنوا احتراماً إلا للنجاح السريع.انهم كانوا يسخرون بشكل مخجل من كل ما هو حق تعرض للانتقاص والاذلال والانسحاق.اذ مالعذاب والالم ...سوى المحرك الوحيد للوعي! ورغم اني كنت قد اشعرتكم في البدأ بأن الوعي قد ظل في نظري المأساة الكبرى للانسان,فأني ادرك تمام الادراك مع ذلك,بأن الانسان يستمسك بالوعي ولايتنازل عنه بالكل,مقابل اي طمأنينة او سكينة.ان الوعي مثلا شيء اسمى بكثير من معادلة "اثنين في اثنين",لن يكون هناك بالمطلق شيء اخر يمكن للانسان ان يعنيفه,او يقوم به,وهو امر بديهي والاخطر من كل ذلك هو انه لن يكون هناك بالمرة ما يمكن اكتشافه.-دوستويفسكي-ك-مذكرات قبو-الناشر-المركز الثقافي العربي-المترجم غير مذكور-طبعة 2022 الدار البيضاء-بيروت-ص-67-68-1040-105-55.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق