الخميس، 10 أبريل 2025

العراق ...وادمان الحروب والتردي والخرافات وخيبة امل ناسه؟


 حينما استولى صدام على السلطة وهو نائب كنت بعمر الطفولة في المدرسة الابتدائية ومن الاحياء الفقيرة,وكان بيتنا دوما عاجاً بالنقاشات السياسية, وكنت كثيرا من المرات اسمعهم يتحدثون عن السلام والعدالة والحريات والمساواة والرفاه والحياة المدنية السعيدة,وينتقدون قتل المرأة باسم الشرف والثارات.وكان ابي قبلها وعدنا انا واخي الاصغر كلما نجحنا بالمدرسة في نصف السنة ونهاية السنة, يعطي لكل منا في كلا منها ربع دينار,وهو مبلغ كبير جدا بالنسبة لنا لانحلم بمثله,ونظل نحلم به طوال العام,وحالما ننجح نأتي مسرعين نطالبه بها,ولكنه يعطينا قليلا منها ويقول مع هذا ساشتري لكم ثياب جميلة.وكنا انا واخي واصحابي كثيرا نلعب و نمرح, بشارعنا الترابي وساحة الحي المتربة.ودوما قبالة بيتنا في الساحة تلال نفايات كل عدة اشهر تأتي سيارة حمل كبيرة وشفل يحملونها.بعد بعضا من السنوات والسنة زمنا طويلا في عمر الطفولة,وانا بعمر الصبا او بداية الشباب,نهاية عام 1980كنت في المدينة وعدت مساء دخلت البيت وجدت اهلي بوجوم متحلقين حول التلفزيون,قال اخي الاكبر لقد بدأت الحرب.وقالوا ستنتهي خلال ايام.ومرت الايام ورحت اودع كثيرا من اصحابي واقاربي وهم يلتحقون للجيش في التجنيد الاجباري,ومع وجبات الاكل نتابع صور من المعركة والاناشيد الحربية.وتحولت البلد الى ثكنة عسكرية وسجناً غاية في الوحشية,وامتلئت قرى واحياء المدينة بالضحايا,منهم قتلوا في جبهات الحرب ومنهم تم اعدامهم او ضاعوا في غياهب السجون الجحيمية,حيث شن صدام حملة في غاية البشاعة والوحشية, ضد كل من له وجهات نظر سياسية معارضة للنظام.وبعد عدة سنوات ودعونا  اهلنا انا واصحابي,بسوقنا الى التجنيد الاجباري,الى جبهات القتال.وبعد عدة سنوات وجدت نفسي بتلك السجون الجحيمية,واخي الاكبر وعمي وعددا من ابناء عمومتي وعددا من اصحابي,تم اعدامهم بسبب انتمائاتهم السياسية,واخي الاصغر توفى قبل وصوله لعمر التجنيد.وضاعت مني احلام الشباب وانطفأة زهرة الشباب .وغرق العراق في بحار من الدماء والدموع,والتخلف والجوع,والعسكرة واناشيدها الحربية,مستمرة حيث ما اتجهت ليل نهاروصور القائد حتى في المراحضي تلاحقك,ومعها حملة القائد الضرورة صدام النازي الايمانية.وقبل اثنين وعشرين عام 2003 في مثل هذا اليوم مساء- 9-4-2025 ظهر حراس قصر صدام من تلة او سياج القصر يتدحرجون امام كامرات التلفزيون والجنود الامريكان ويهربون,بعد ان تركهم صدام وهرب هو وقادة نظامه الاجرامي.وتسائلنا انا واصحابي الذين كنا قبل اكثر من عقد من سقوط صدام سويا هربنا من جحيمه, شبه حفاة وثيابنا مرقعة وكثيرا افترشنا ارصفة الطرقات,وكثيرا غنينا وسالت دموعنا شوقا للاهل والاصحاب والحبيبات,قلنا لبعضنا: هل انتهت حقبة الحروب والعسكرة والقهر والحرمان؟ ويعم السلام والعدل والحريات والبناء والرفاه؟وها نحن اليوم بعد اثنين وعشرين عام على سقوط صدام, ونحن في 9-4- 2025 وهاهي مدينتي يسمونها المنكوبة لشدة خرابها هي وكل صاحباتها وفي كل العراق اكثر مما كانت تلال النفايات وحفر الطرقات واتربتها والكهرباء اسوء مما كانت,وذاتها تجريم لبس البرمودة ومن يلتقطونه فاطر في رمضان ذاتها ايام صدام, وجيوش المتسولين,وكثيرا ينقبون بالنفايات,والخرافات وكل خراب صدام تضاعفت,وتلك العسكرة والحروب واناشيدها اكثر وحشة  اليوم من تلك مساء يوم نهاية الشهر التاسع 1980حيث وجدت اهلي مصدومين وهم يسمعون الاناشيد الحربية, وقوافل الجيش تتجه الى جبهات القتال,ولكنها الان جعلوا العراق منطقة صراع ومدنها كلها جبهات قتال تديرها الميليشيات,والسلاح المنفلت والحرامية, منهم اصحاب سرقة القرن والكبار الذين خلفهم ,ودويلاتهم  وتجار الدين.وفي كلها لا احد يعرف على ماذا, ولماذا استرخاص الانسان وانسانيته وحياته؟وبعض الساسة يقتبسون من صدام ويقولون للناس كنتم حفاة والبسناكم نعل.,وحيث ام اتجهت انسان مضطرب وعصابي وليس على توافق في شبه خصومة مع العقل ومنتجها,واكثر مما كانت ازدواج الشخصية التي قال عنها علي الوردي,وسريعا العراق يحث الخطى بالسير الى الخلف بعيداً وسط دورب القرون الوسطى الظلامية والسلفية الجبرية اول ايام الاموية عند كل الجهات, والعرقية قريبة من اشياء القوى المتطرفة التي كانت في المانيا مابين الحربين العالمية,وبذات فكر وثياب السلفية الجبرية ايام الاموية.وكلها اي تلك وهذه جميعهم متوافقين حد التطابق, على ذاتها نظام"القبيلة والغنيمة والملك او الخليفة او السلطان او المرشد او القائد او الشيخ او اي مسمى تختار,تؤم الدين"والمصداقية مادون الصفر.وشراهة  مفرطة, تنافس انظمة الشرق الاوسط وشمال افريقيا التي كلها توصف بالوحشية,وبجوار الصومال واليمن السعيد وافغانستان في في عدة تصنيفات .وكل هذه هي التي تنتجها الحروب والتردي حسبما يقول الفلاسفة وعلماء النفس ومنهم برتراند رسل,يقولون :تعود بناسها الى اقصى عصور الظلامية وحتى الى البدائية ويجب ان تبحث من هناك .وكأن تولستوي يحكي عنا والشرق الاوسط الرهيب الان, برواية الحرب والسلم, حيث يقول:"ان موسكوكلها لاتتحدث إلا عن الحرب,وان واحداً من اخوي اصبح  الان خارج البلاد,اما الثاني فإنه مع فرقة الحرس التي تتجه نحو الحدود...ان الخبر الاخير الذي يشغل بال موسكو جميعاً هو حدث الكونت بيزوخوف الهرم وارثه...لقد تلقيت رسالة من اخي يعلمني فيها بانه سيحضر الى الجبل الاقرع مع زوجته,لكنها بهجة قصيرة الامد لانه سيغادرنا بعدها ليشترك في الحرب التعسة التي اندفعنا فيها,والذي لايعلم إلا الله كيف ولماذا اشتركنا فيها.والحديث عن الحرب لايقتصر على وسطكم الحافل بالاعمال والمنتديات,بل انه تعداه الينا وسط اعمال الحقول وهدوء الطبيعة,كما يتصورها اهل المدن حياة الارياف.بينما كنت اتنزه في شارع القرية,كعادتي,وقعت عيناي على مشهد  اليوم مروع...لقد شهدت بام عيني قافلة من المجندين الذين ادخلوا في سلاح الجيش يغادرون القرية الى مراكزهم التي تنتظرهم...عاد الامير الشيخ الى سخريته المعتادة وقال:-هيا,حدثني كيف علمكم الالمان التغلب على بونابرت,بحسب الفن الجديد المسمى"ستراتيجية"...كان الشيخ الامير مستمراً في ارتداء ملابسه خلال الحديث وهو يتمشى في الغرفة.لم يكن يبدي اي اهتمام بما يبسطه ابنه من نظريات,بل كان يبدو وكأنه لايصغي الى شرحه,فلم يقاطعه إلا ثلاث مرات,وبصورة غير منتظرة ابداً.الاولى عندما صاح قائلا:الابيض!الابيض! وكان يعني ان تيخون اخطأ في تقديم الصدار المطلوب.والمرة الثانية عندما وقف ليسأله:-اذاً,هل الولادة قريبة؟ثم هز رأسه بعدئذ بلهجة المؤنب وحنق:-في!في!...استمر, استمر.-اني لاازعم ان ماعرضته على مسامعك هو المخطط المثالي الذي احلم به,لكني اروي لك ماسيحصل...فقال الامير الشيخ مؤيداً-هيا,هيا انك لم تطلعني على شيء جديد !هيا الى مائدة الطعام".-ليو تولستوي-رواية-الحرب والسلم-ترجمة د.سامي الدروبي-دار نشرالالف كتاب-الجزء الاول-ص-160-161-163-164-170-171.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق