((ان الصحافة في اي بلد هي جزء من الحياة السياسية فيه,ولايمكن ان يكون غير ذلك.في العالم الثالث عموما فأن السياسة ليست مجرد صراع مصالح اجتماعية وتيارات فكرية ورؤى مستقبلية,وانما هي مع الاسف ايضا-وهذه طبائع التطور ومراحله-حروب دامية من اجل البقاء ومعارك ظاهرة وخفية.ومطامع ومؤامرات)) محمد حسنين هيكل-ك-بين الصحافة والسياسة-ص-410.اليوم(امس)انتهيت من قراءة هذا كتاب محمد حسنين هيكل ((بين الصحافة والسياسة)) وهي المرة الثانية. وهو عن خبرة كمهنة كليهن اي الصحافة والسياسة وهو من المقربين جدا لجمال عبد الناصر طوال فترة حكمه التي امتدت اكثر من ثمانية عشر عام وعلاقة مضطربة مع كل من خلفه. وفي هذا الكتاب يعرض وحشية الطغاة واستبدادهم الهمجي ومدى قسوتهم واحتقارهم لانسانية الانسان,وفي اهم مرحلة من مراحل العالم العربي فترة الستينات التي لاول مرة في التاريخ لاحت خلالها لمحة ضوء وسط التاريخ الدامي وحالا انتهت وعادت الظلامية والوحشية وكيف يملئون السجون لكل من يهمس بكلمة لاتطرب غرورهم الاستبدادي وكيف ساقوا الناس الى حروبهم الفاشلة المروعة وكيف تكون الحياة وسط غابة النظام البوليسي وكيف تكون التهم جاهزة من كل الانواع حتى للصحافيين الذين يؤلهونهم وكيف (يعزز الخوف الجمعي غريزة القطيع) حسبما برتراند راسل, صدام اقتبس من الحجاج والنازية المقابر الجماعية لمعارضيه ومحمد ابن سلمان حاكم السعودية قتل وتقطيع الصحافيين داخل قنصلية بلادهم.ويصبح جل الصحافيين تافهين مرعوبين وكيف يصيرون مجرد مؤلهين و كتاب تقارير بوليسية تقدم للطاغية وقادة اجهزته القمعية.حيث مصطفى امين يقول:((...ان كل مايحصل عليه من معلومات يكتبه في تقارير الى الرئيس او الى السادة صلاح نصروعبد القادر حاتم وسامي شرف))وهو اي هيكل يقول تعقيبا على كلام مصطفى امين وهو من بين اهم كتاب مصر وقتئذ وانتقل من خدمة الملك واجهزته الى الرئيس واجهزته البوليسية :((وكانت تلك اول مرة اعرف فيها ان نطاق التقارير قد اتسع فلم يعد قاصرا على الكتابة لجمال عبد الناصر -وهو ما كنت اعترض عليه من ناحية المبدأ بل انها الان اصبحت ايضا لثلاثة غيره.)). ومع هذا لفقت له اي مصطفى امين تهمة التخابر وهيكل يقول:( قد تكون مجرد كلام صحافي يستقي المعلومات من اي كان وهو حقه الطبيعي) وهي التهمة الاكثر استخداما في الشرق الاوسط الرهيب وطغاته((ان ذلك ليس عملنا.))-ص-82.((ان حرية الصحافة لاتتأكد بمجرد الاعلان عنها,وانما تتأكد حين تكون الاراء والمصالح التي تعبر عنها اي صحيفة قادرة على حماية حقها في التعبير عن نفسها.))-ص-235.ومن ثم ينقل عن علي امين شقيق مصطفى امين التؤم وهو ايضا من بين كتاب مصر الاكثر اهمية وقتئذ وذات اخيه من البلاط الى الرئيس ومن خدام امراء السعودية وكانوا يغدقون عليه اموال طائلة حينما كان في لندن مراسلا لجريدة الاهرام وبعد ايقافه كمراسل للاهرام حسبما كلامه هو لمحمد حسنين هيكل في رسائل بخط يد علي يوردها في الكتاب.وهنا يكتب اي علي بعد ان اعتقل اخيه لتسع سنوات ضمن تهم النظام البوليسي الجاهزة يقول علي امين يمتدح هيكل بعد رحيل جمال عبد الناصر ويدين النظام البوليسي وعودته اي على الى القاهرة:((...هل اصبحت الحرية تمنح بتأشيرة على جواز المرورفلا ينتقل الكاتب الى مرحلة اخرى إلا اذا وافقت سلطات الامن؟ او ان المفكرين رأوا رأس الطير الطائر ..فخافوا على رؤسهم؟))-ص-367.ثم في مكان اخر ينقل محمد حسنين هيكل عما كتب عن مرحلة عبد الناصر بعد رحيله فيقول:((ثم الصورة المخيفة التي رسمت لقضايا الحريات وبدت مصر فيها وكأنها جزء لايتجزء من عصر النازي)) ((بعد ان كتب عن الملك فاروق انه افاقاً ولصا وهاتك اعراض)) ينقلها عن اخبار اليوم-ص-408.والحقيقة رغم علاقته اي هيكل الحميمية مع جمال عبد الناصر وعينه وزيراعلام وقائم باعمال وزير الخارجية. في هذا الكتاب لم يبرر لنظامه البوليسي وحتى ينتقده مثلما ذكر اعلاه ويذكراسمه من دون اي القاب فقط جمال عبد الناصرومن دون اي كلمة تملق المديح الاستعبادي السائدة في الشرق الاوسط الرهيب ووحشية طغاته, مثل القائد الضرورة وسيدي ومولاي ...الى اخر هراء استعباد الطغاة,انه يكتب على طريقة كتاب العالم المتقدم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق