الخميس، 29 مايو 2025

سطوة الحرامية وخيبة امل الطيبين وبوح الذات(1من3)


لمحة عن رواية ليو تولستوي"الحرب والسلم"الجزء الثالث الاخير.

 اليوم انتهيت من قراءة الجزء الثالث والاخير من رواية ليو تولستوي المعنونة"الحرب والسلم"وهي 552 صفحة من القطع الكبير.وهو يعرض الحكاية بشكل غاية في الروعة,يسحرك في الطرح وعمق الفكر الرفيع,وسخرية,من علية القوم من الامبراطور والى اسفل الهرم بما فيهم رجال الدين, حتى في الحوارات الاكثر جدية وعن اشياء صعبة,عن علية القوم,بعضها بقيت اضحك لبعض الوقت وحتى وانا امشي بالطريق.ويغوص الى اعماق الانسان,فرد ومجتمع في لحظات صعبة وحزينة وفي فرحه,ودفق هوى وحكاوي العشاق مع الذات والمحبوب والمحبوبة.وخيبات الامل والانكسار الذي يطيح بالروح والافكار,والاعيب الحرامية و الانتهازيين والوصوليين,ساسة ورجال دين رجال ونساء,حتى القس وقع بغرام هيلين الجميلة,وصاركثيرا يوميا تقريبا يعاشرها يمارس الجنس معها حينما طلبت منه ان يشرع لها ان تتزوج اثنين على انفراد مع زوجها بيير,فشرع لها ذلك,وهي وزوجها بيير من بين كبار الاقطاع وكلن زوجها من الطيبين جدا ويحب الخير والسعادة لكل الناس وافكاره وطبيعته تختلف تماما ولم يعد يمارس الجنس وعها ولاتوجد اي مودة بينهم,ولكنه ظل يرافقها حينما تقيم حفلات هي وانابافلوفنا بعضها يحضرها الامبراطوروحينما راحت تعاشر القس والاثنين الاخرين كان زوجها غير موجود وبعثت له رسالة تطلب منه الطلاق ولكنها ليست شريرة والكثيرين يسحرهم جمالها.وجنيرالات وجميلات,والصادقين مع الذات والاخر مع اسمى القيم النبيلة والمشاعر الانسانية.حتى في احلك الظروف والمصاعب,وفي اعلى لحظات النجاح والتفوق.وكيف يصادف ان يظهر شخص من بين عتات المجرمين القتلة والحرامية,وهو في السجن في لحظة تفلت بقايا فتات ضمير او مشاعر ويشعر كأنسان,ويحاول انقاذ احد ضحاياه بالاعتراف على ذاته في جريمة كبرى كان يوما ما البسها لهذا الضحية وهو لايعرفه ولكنه عرف من الحكاية التي رواها لهم الضحية ,وتأكد من مكانها  وتاريخها,وحاول انقاذه لكن وضاعة النظام وروتينه البيروقراطي ,او عدم الاهتمام بالانسان,ضيعت عليه وعلى الضحية تلك اللحظة الجميلة,لان الضحية توفى قبل ان تكتمل اجرائاته التي اخذت وقتا طويل.ويٌظهر مدى حقارة العوائل الحاكمة في نظم الاستبداد.وكثيرا من التقدير عند الناس للثقافة الفرنسية,وان الشعب الروسي ميالا لها, ومثله او اكثر منه بلدان من اوروبا من بعد هبوب رياح عصر الانوار وازاحة النظام الديني, واقرار الدولة المدنية الديمقراطية والحريات والعدالة والمساواة وحقوق الانسان,بعد الثورة الفرنسية.وبذات الوقت يٌظهر بشاعة النظام الاستبداد الذي يحكم روسيا كان,وان الناس  الروس حالما تضعف السلطة من خلال تقدم الجيش الفرنسي يٌظهرون تململهم ومحاولة تمردهم على سلطة النظام الحاكم,ويتعرضون للقمع والاذلال من خلال الجيش والسلطات الاخرى.وكيف ان الكثير من التابعين للنظام سريعا يتلونون بذاتها خستهم.ويحكي وحشية الحرب وماتفعله  من سحق الانسان والبلد ومدنه وتطيح بالثقافة الى الحضيض.ومدى رخص الانسان عند اصحاب السلطة الاستبدادية.وبذات الوقت يٌظهر ان الانسان الفرد والمجتمع اغلى واجمل من الكون كله ,حيث يبث لواعجه واشجانه وحكاويه وشبق احتضان وارتشاف شفاه وجيد المحبوبة والمحبوب لكيلهم,في لحظة وهج الحب وتلاقي الاجساد,وشجن فراقهم وانكساراتهم.ومثلها علاقة الاصحاب الطيبين.وهي اي رحلة حكاياه من غرف النوم وصالة الجلوس وصالة الرقص والحارة والمدينة وقصور السلطة وثكانت الجيش وجبهات القتال وكل البلد وكثرا من البلدان الاخرى.وكيف ان هذا الانسان بكل هذه اشيائه,في لحظة رغبة جنيرالات يتملقون الحاكم لاستجداء رضاه طمعا في مكارمه وحب المناصب,يضحون بالالاف من الناس ,وفي مكان اخر يحاول التضحية بعشرات الالاف منهم, هم والمدينة  واهلها,من خلال جعلها منطقة صراع لغرض استعراض البطولات وحب المناصب .وهو يعرف مدى الخراب والضحايا التي تكون في حالة تورط المواجهة,ويحاول هو والمتوافقين معه ان يتهمون من يشعر بالمسؤولية ولايستطيع ان يتورط بذلك الخراب, او مع الامبراطوراذا ما رفض خطتهم وهم تحت قيادته ضمن نظام استبدادي اقطاعي طبقي وبذكاء لايعرضه للبطش ينقذ الناس من ورطتهم.وهو اي تولستوي يمشي ويدور وسط دروبه ومنحنياته من اقصاه الى اقصاه بلدا وناس,في غاية الروعة وعمق المعرفة بادق تفاصيل حياة وفكر الانسان وحالته النفسية وتصرفه ومحيطه,من العاصمة الى اقصى قرية .ويتعاطف مع الفلاحين والعمال والخدم والجنود, والطيبين من الطبقة العليا دون ان يترك اظهار اخفاقاتهم وميولهم الطبيقية اي الذي من الطبقة العليا مايجعل طيبتهم منقوصة او محدودة.ويظهر تفاهة الحرامية والوصولين والانتهازيين من اعلى الهرم الى القاع من كل فئات المجتمع وسلطاته.والاكثر بشاعة فيها ينطبق على الشرق الاوسط الان ومنتج الارهاب والتكفيرية,وانظمة كلها وحشية وميليشياته التي تكفلت بتحطيم الناس وحياتها وحتى صفة الدولة,واي لمحة امن وامان فيها وحتى نائب الرئيس الامريكي جي فانس قبل ثلاثة ايام قال هذا الشرق الاوسط استحالة ان تكون فيه ديمقراطية وحريات وحقوق الانسان والعدالة والمساواة,(هم خارج الزمن) .حيث يقول تولستوي, من خلال احد ابطال الرواية وهو امير واحد قادة الجيش العليا وهو من الطيبين مع بعض المثالب والهنات اعلاه.وهو في لحظة بوح صدق الصادق مع الذات:"في ليلة الخامس والعشرين تلك كان الامير اندريا يستريح في مكدس خرب بقرية كينازكوفو عند الطرف الاقصى من الجبهة التي يدافع فيلقه عنها...لكن اكثر الافكار بساطة ووضوحاً وبالتالي الاكثر ايلاماً,هذه الصورة الملونة بغلظة التي تبدولي رائعة جداً شديدة الغموض:المجد,الصالح العام,الحب بل الوطن نفسه.كم كانت كل هذه الاشياء تبدو لي عظيمة ومليئة وذات معنى عميق !مع انها شديدة الشحوب,غليظة على الضوء الفاضح  الذي يلقيه هذا الضجر الذي اشعر انه يشرق علي!"ولقد كانت اَلامه الكبرى تستنفد كل اهتمامه:غرامه,موت ابيه,وغزو  الفرنسيين الذين باتوا يحتلون نصف روسيا.وفجأة هتف بمرارة ساخرة:"الحب!..تلك البنية التي كانت تبدو لي زاخرة بكثير من القوى الغامضة!وماذا!كنت احبها,واقيم احلام غرام شاعرية واحلام سعادة...ياللطفل الصغير!اي حب مثالي كان عليه ان يبقيها مخلصة لك طيلة عام كامل من الغياب...لكن كل شيء كان للاسف اكثر بساطة!...ان كل هذا بسيط بشكل مريع!"."كان ابي يبني في ليسييا جوري ويظن ان ذلك الركن يخصه وان فيه ارضاً وهواءً وقرويين له.لكن نابليون فجأة ودون ان يعرف ان ابي موجود,كنسه وكأنه حطام قش,هو وليسييا جوري.وماريا تزعم انه اختيار اَت من الاعلى!فلماذا هذا الاختيار اذاً طالما انه لم يعد حياً بعد اليوم ابداً.واذاً لمن هذا الاختيار؟-ليو تولستوي -رواية الحرب والسلم الجزء الثالث-ترجمة-د.سامي الدروبي دار نشر الالف كتاب-ص-1137.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق