الخميس، 8 يناير 2026

نحن والطوطمية والدويلات والميليشيات وحراميتهم(38من40)


لمحة عن كتاب مؤلفات فرويد المعنون"مؤلفات سجموند فرويد-موسى والتوحيد-الطوطم والحرام-الحلم وتأويله-مستقبل وهم"

 وهنا يحكي فرويد (يقول ادونيس" الكلمة في تاريخنا جرح كمثل العمل بها...افلا يريد هؤلاء ان نتجاوز هذا الجرح,ان تشفى منه؟اذن لماذا يخافون من الكلام عليه,لمعرفة اسبابه وجذوره ولكي تعرف كيف تقضي عليه.ان علو انسانية الانسان مشروط بقدرته على الكلام عن اخطائه وبخاصة الوحشية منها.الذين يريدون ان يغطوا تاريخ العنف هم الذين يريدون الاستمرار في ممارسته,انه استمرار لتاريخ الطغاة وهو استمراريعلم الارتباط بتراث يقوم على البغي("الظلم والجور والاعتداء على الغير"), والعنف,ان على الشعر ان يحدث القطيعة الكاملة مع هذا التراث النفسي كلاماً وعملا,فالشعر بوصفه رؤية معرفية وجمالية,يجب ان يكون مناهضاً بشكل جذري لمسار سياسي ثقافي,ليس إلا توغلا في الوحشية والكارثة"(نقلا عن موقعه في الفيسبوك-حوار مع مجلة "نزوى" العمانية-اجرته معه الشاعرة العراقية أمل جبوري-الخميس-1-ابريل 1999),يقول فرويد ان الافكار تنبع من فتوحات الحضارة ومنجزاتها وايضاً الرغبة الملحة الاَسرة في تصحيح نواقص الثقافة.الخطئ اعتيادنا على تصوير التراث الديني من الافكار على انه وحياً منزلا.لان هذا يلغي كل التطور التاريخي لتلك الافكار,والانسان حالما لاحت تلك طفرة نمو عقله حيث انتقل الى طور الانسان العاقل وصارت عنده المشاعر,وراح يبحث عما يحميه من اخطار الطبيعة,ولذة ممارسة الجنس التي انبثقت منها من خلال عقله كلمة الحب ومن ثم اخذ يبحث عن تحاشي المرور بدروب الوحوش المفترسة وتعلم حاجة العلاقة مع الانسان الاخر حتى صار المجتمع والحضارة منتج الانسان العاقل.وخلال هذا يحاور الاخر,حديث مع النفس او الضمير.الضميرالذي صار عندنا شحيح جدا حد التصحرمنذ دمرت تلك قبائل صحراء الجزيرة حضاراتنا حضارات الحب والجمال والى الصفوية والعثمانية الوحشية والنظام الملكي الذي استورد  بمواصفات البدائية  والى والحرس القومي الاجرامي وصدام النازي صاحب المقابر الجماعية والسجون الجحيمية, والحملة الايمانية, وظلت ثقافته بكل جلافتها وكل خرابه حتى تلول النفايات وحفر الطرقات وقوله لنا,اقتبسوها(ونحن نقف وسط تلال النفايات قالوا لنا :احمدوا ربكم كنتم حفاة) والعراق من بلدان العالم الغنية جدا,واستمرار تراكم الظلامية والاب البدائي واعراف الطوطمية,والدويلات والميليشيات وحراميتهم.ومثلنا كل الشرق الاوسط من ايران والى اقصى شمال افريقيا ومنهم صدام النازي,بذاتها تلك "نظام القبيلة والغنيمة والملك او الخليفة او السلطان او المرشد تؤم الدين"التي فرضتها تلك قبائل صحراء الجزيرة البربرية الوحشية علينا قبل 1400عام عتاة المجرمين القتلة والحرامية,الاجلاف البدائيين, الوحشيين, وظلت مستمرة ذاتها حتى الان,لاننا بقينا نغير الانظمة ولكن ولامرة غيرنا ثقافتها. (حسبما محمد عابد الجابري ومحمد اركون وسيد القمني وادونيس واخرين ورجال دين متنورين).ومثلنا كان نظام الكنيسة ومحاكم التفتيش الوحشية حتى عصر الانوار والثورة الفرنسية التي ازاحت النظام الديني ومعها ثقافتها والملك الكاهن وانعدام الضمير والتحرر من الخرافات حسبما برتراند راسل,وحيث فرويد يقول الان"ان بحثاً يأخذ شكل مونولوج(" المونولوج:حديث مع النفس او الضمير وايضا تستخدم في الادب والمسرح يؤديها ممثل واحد ".(وانا شاهدت كثيرا مسرحيات منها في هولندا بقنوات التلفزيون الهولنديه "ان او اس",واحداهن بذاتها,حتى يمسك تمثال المسيح ويحاوره  بمافيه حول ممارسة الجنس,امام صالة مكتظة بالجمهور,وحيث هو يقول الان وانا كتبت عنها قبل اكثر من عشر سنوات حيث وحشية الارهاب,والظلامية القرون الوسطى وهذا الخراب,الذي هو عقيدة الديانات طوال تاريخهن الدموي العنصري,والجلافة والكراهية كل الشرق الاوسط مستمر بذاتها حتى الان .) متواصل لايخلوا البتة من اخطار.فقد يستسلم المرء بسهولة لإغراء اقصاء الافكارالتي قد تقطع عليه حواره مع نفسه,وينتابه بالمقابل إحساس بعدم اليقين,فيسعى الى ان يخنقه تحت وطأة ثقة بالنفس مبالغ فيها.ساتصور إذن ان امامي خصماً يتابع محاجي بروح ارتياب وتشكك,وسافسح له المجال هنا وهناك لكي يلقي كلمة.ويتراءى لي سيقول:"لقد استخدمت في اكثر من مرة العبارات التالية:ان الافكار الدينية هي من ابداع الحضارة,والحضارة هي التي تضعها تحت متناول المشاركين فيها.والحال ان هذه العبارات تبدو لي مستغربة بعض الشيء.انا نفسي لااستطيع ان احدد السبب,لكن لايبدو لي ان المسألة من البديهيات حين يقال ان الحضارة تنظيم توزيع منتجات العمل,او الحقوق على المرأة والاولاد"-بالرغم من ذلك,اعتقد انه من حقي الكلام على النحو الذي تكلمت به فقد حاولت ان ابين ان الافكار الدينية تنبع من نفس الحاجة التي تنبع منها سائر فتوحات الحضارة ومنجزاتها:ضرورة الدفاع عن النفس ضد تفوق الطبيعة الساحق.والى ذلك ينضاف دافع ثانِ:الرغبة الملحة الاَسرة في تصحيح نواقص الثقافة,تلك النواقص التي تترك وقعا اليما في النفس.فضلا عن ذلك,فانه من مطلق الصحة ان نقول ان الحضارة تهب الافراد تلك الافكار,اذ انه يلفاها موجودة من قبله,مقدمة اليه على طبق جاهزة,ويعجز عن اكتشافها لو اراد ان يكتشفها من تلقاء نفسه.انها تراث سلسلة من الاجيال,تراث يرثه,يتلقاه,مثله في ذك مثل جدول الضرب والهندسة  الخ صحيح ان بين الامرين فرقاً,لكنه يمكن في موضع اَخر,وليس في وسعنا هنا بعد ان نزيح النقاب عنه ولعل شعورالغرابة الذي اشرت اليه يرجع جزئياً الى اعتيادنا على تصوير ذلك التراث من الافكار الدينية لانفسنا باعتباره وحيا منزلا.لكن هذا بذاته,ومن ثم الاساس,جزء من النظام الديني,وهذا مايحمل الناس على ان يسقطوا الاعتبار كل التطور التاريخي المعروف لتلك الافكار وتبدلاتها بحسب اختلاف العصور واختلافات الحضارات.(ثمة نقطة اخرى تبدو لي هامة.فأنت تشتق انسنة الطبيعة من الحاجة التي تخامر الانسان الى ان يضع حدا لحيرته وضياعه وضائقته امام قوى الطبيعة المخيفة,الامر الذي يتيح له ان يقيم علاقة معها وان يؤثر عليها في خاتمة المطاف.لكن مثل هذا التعليل يبدو من حشو الكلام.فالانسان البدائي لاخيار له:هو لايملك طريقة اخرى في التفكير.فمن الطبيعي عنده,بل من شبه الفطري,ان يسقط ماهيته الخاصة على العالم الخارجي وان ينظر الى جميع الاحداث التي يلاحظها وكأنها من صنيع كائنات مشابهة له في واقع الامر ذلك هو منهجه الاوحد في الفهم وليس من الطبيعي البتة -بل ان هنا مصادفة تدعو الى العجب-ان نرى الانسان يفلح في تلبية واحدة من اهم حاجاته,بمجرد ان يترك المجال حرا امام استعداداته الطبيعية"-لااجد ذلك يبعث على العجب الشديد.فهل تعتقد ان فكر البشر لايملك دوافع عملية,وانه لايعدوان يكون تعبيرا عن فضول متجرد غير مغرض؟هذا مستبعد.بل اعتقد بالاحرى ان الانسان,حين يشخص قوى الطبيعة,يقتدي مرة اخرى بنموذج طفلي.فقد تعلم من الاشخاص الذين يؤلفون محيطه الاول انه لابد له ان يقيم معهم علاقة إذا كان يريد التأثير عليهم.ولهذا يسلك المسلك نفسه فيما بعد,ولنفس الغرض,مع كل مايصادفه في دربه.انني لااناقض بذلك ملاحظتك ذات الطابع الوصفي:فمن الطبيعي بالفعل لدى الانسان  ان يشخص كل مايريد فهمه حتى تمكنه السيطرة عليه فيما بعد -ان السيطرة النفسية هي التي تمهد الميدان امام السيطرة المادية -لكنني اقترح علاوة على ذلك دافعا ومنشأ لتلك الطريقة الخاصة في التفكيرالانساني.-(هناك ايضا نقطة ثالثة.فقد سبق ان عالجت في كتابك(الطوطم والمحرم)مسألة اصل الاديان لكن الاشياء بدت,في ذلك الكتاب,في مظهر اخر.فعلة كل شيء ترتد الى العلاقة بين الابن والاب فالله هو اب موقر معظم,والحنين الى الاب هو في جذر الحاجة الدينية.وقد اكتشفت بعدئذ,على مايبدو,عامل الضعف والضائقة البشرين,ذلك العامل الذي جرت العادة بالفعل على عزو الدور الاول اليه في تكوين الاديان,وهأنتذا تحول الى الضائقة كل ماكان في السابق عقدة ابوية.فهل استطيع ان اسألك توضيحاً حول هذا التحول في تفكيرك؟).-عن طيب خاطر,فأنا لم اكن انتظر سوى هذه الدعوة.لكن هل يمكن حقا ان يقال ان تفكيري قد تحول؟لم يكن قصدي في الطوطم والمحرم ان افسر اصل الاديان,وإنما فقط اصل الطوطمية.فهل تستطيع,من اي وجهة نظر معروفة لديك,ان تفسر لماذا كان الشكل الاول الذي تجلب فيه الألوهية الحامية الواقعية هو الشكل الحيواني,ولماذا حرم قتل هذا الحيوان واكله ولماذا كان يقتل مع ذلك مرة كل سنة-عادة احتفالية كبرى-وتؤكل على مائدة مشتركة؟هذا بالضبط مايحدث في الطوطمية.ولن نجني فائدة إذا دخلنا في نقاش لنعرف هل من المناسب  نسمي الطوطمية دينا.فللطوطمية صلات حميمة بالاديان اللاحقة التي تظهر فيها اَلهة وتتحول فيها الحيوانات الطوطمية الى حيوانات الاَلهة المقدسة واهم القيود الاولى-حظر قتل الإنسان وحظر حب المحارم-التي تفرضها الاخلاق,ترى النور في إطار الطوطمية.وسواء أقبلت ام لم تقبل باستنتاجات (الطوطم والمحرم),فإنني اَمل ان تواتفقني على هذا الكتاب,الذي يضم عددا معينا من الوقائع المنفردة الباعثة على الاستغراب الشديد,قد نسق بينها في كل واحد متلاحم.اما السبب الذي قضى بألا يعود الحيواني كافيا على المدى الطويل فحل محله الإله الانساني,فهذه المشكلة لم يمسها الطوطم والمحرم إلا مسا خفيف...فلاينبغي اتهامي اليوم بمناقضة نفسي مثلما اتهمت في الماضي بأحادية الجانب.ان مهمتي هي بالطبع ان ابين الطريق التي تربط ماقلته يومئذ بما ادعيه الان,الطريق التي تربط الحافز العميق بالظاهر,العقدة الابوية بضائقة البشر وبحاجتهم الى الغوث.هذه الطريق لايصعب اكتشافها فهي تتكون من العلاقات التي تربط الضائقة الطفلية بالضائقة الراشدية التي هي استمرار واستطالة لها,بحيث يكون التعليل النفسي التحليلي لتكون الاديان هو نفسه كما هو متوقع,المساهمة الطفلية في تعليله الظاهر.لنتصور في مخيلتنا الحياة النفسية للطفل الصغير انتم تذكرون ولابد,مايتحدث عنه التحليل من اختيار للموضوع على منوال(البحث عن سند)؟فالليبيدو(اللذة ,البقاء, الغرائز الجنسية )يتبع طريق الحاجات النرجسية وينجذب الى المواضيع التي تكفل تلبيته هكذا تصبح الام,التي تلبي او تسد الجوع,الموضوع الاول للحب,وفضلا عن ذلك الحامية الاولى بكل تأكيد,من جميع الاخطار المبهمة غير المحددة التي تتهدد الطفل في العالم الخارجي.بل يجوز لنا نقول انها تصبح الحامية الاولى  من القلق والحصر.وسرعان مايحل محل الام في هذا الدور الاب الاشد قوة وبأسا,ويبقى هذا الدور وقفا على الاب طوال امتداد الطفولة.بيد ان العلاقة بالاب مشوبة بازدواجية خاصة فالاب يشكل بذاته خطرا,وربما بسبب العلاقة البدائية بالام.وعليه,نراه يوحي بالمهابة والخوف بقدر مايوحي بالحنين والاعجاب.وامارات هذه الازدواجية تترك عميق بصمتها على الاديان كافة,كما اوضحت ذلك في "الطوطم والمحرم"حين يتبين الطفل,وهو يشب ويترعرع,انه مقضي عليه بأن يبقى ابد حياته طفلا,وانه لن يكون في مقدوره ابدا ان يستغني عن الحماية من القوى العليا والمجهولة,يضفي عندئذ على هذه القوى قسمات وجه الاب,ويبتدع لنفسه اَلهة,اَلهة يخشى جانبها ويسعى ان يحضى بعطفها ويعزو إليها في الوقت نفسه مهمة حمايته.هكذا يتفق حنين الطفل الى الاب مع مايحس به من حاجة الى حماية بحكم الضعف البشري.كما ان رد فعل الطفل الدفاعي حيال شعور الضيق يتفق ورد فعل الراشد حيال الشعور بالضيق الذي يخالجه بدوره,والذي يتولد عنه الدين وسماته المميزة.لكن لايدخل في قصدنا ان نتوغل الى اعمق من ذلك في دراسة تطور فكرة الله.وانما شاغلنا هنا الذخيرة المتكونة من الافكار الدينية كما تنقلها الحضارة الى الفرد".-فرويد-كتاب مؤلفات سجموند فرويد-موسى والتوحيد-الطوطم والحرام-الحلم وتأويله -مستقبل وهم-ترجمة جوؤج طرابيشي-دار النخيل للطباعة والنشر-الطبعة الجديدة 2024-كتاب مستقبل وهم-ص-24-25-26-27-28.يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق